الصحة النفسية بالحسيمة.. بين نقص الخدمات وأمل المستشفى الجهوي

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الصحة النفسية بالحسيمة.. بين نقص الخدمات وأمل المستشفى الجهوي

هل يكفي تشييد الجدران لعلاج الأرواح؟ سؤال مؤلم يطرح نفسه بقوة حين نتحدث عن واقع الصحة النفسية في إقليم الحسيمة. فبينما تتزين التقارير الرسمية بصور المركز الاستشفائي الإقليمي محمد السادس كمنشأة حديثة من الجيل الثالث، يخفي الواقع مأساة صامتة تعيشها مئات الأسر، حيث يصطدم المرضى بجدران من نوع آخر: جدران النقص الحاد في الكوادر البشرية وغياب الرعاية الحقيقية.

إننا أمام مفارقة عجيبة؛ بنية تحتية ضخمة، لكنها تفتقر إلى النبض الذي يحييها. كيف يُعقل أن يعتمد إقليم بكامله، بتضاريسه الوعرة وكثافته السكانية، على طبيبين نفسيين فقط وحفنة من الممرضين؟ هذا ليس مجرد نقص في الموارد، بل هو استنزاف لكرامة المريض الذي يجد نفسه تائهاً في أروقة الانتظار.

المركز الإقليمي.. هيكل بلا روح؟

لا يختلف اثنان على أن المركز الاستشفائي الإقليمي محمد السادس يُعد مكسباً معمارياً، لكن العبرة دائماً بالخدمة لا بالبنيان. تشير المعطيات الميدانية إلى أن قسم الصحة النفسية يشتغل بطاقة استيعابية بشرية لا ترقى لمستوى التحديات. وجود 22 ممرضاً متخصصاً، رغم تضحياتهم الجسام، لا يمكن أن يعوض النقص الفادح في الأطباء المتخصصين القادرين على التشخيص والمواكبة الدقيقة للحالات المستعصية.

هذا “الفراغ الطبي” يضعنا أمام حقيقة مرة: المريض النفسي في الحسيمة هو الحلقة الأضعف. فإما أن يرضى بخدمات الحد الأدنى، أو يضطر لركوب قوارب المعاناة البرية نحو طنجة أو فاس، متحملاً تكاليف التنقل والإقامة التي تفوق قدرة أغلب الأسر الريفية الهشة.

معاناة مضاعفة في أعماق الريف

إذا كان هذا حال المدينة، فما بالك بالقرى والمداشر النائية؟ هناك، حيث الفقر يصافح التضاريس الوعرة، تتحول الأمراض النفسية إلى وصمة عار يتم إخفاؤها خلف الأبواب الموصدة. غياب الوعي وضعف التغطية الصحية يجعلان من اللجوء إلى الطبيب خياراً أخيراً، غالباً ما يأتي بعد فوات الأوان.

التقارير المجتمعية والنقابية لم تتوقف عن قرع أجراس الخطر، محذرة من ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية المرتبطة بالضغط الاقتصادي والأمراض المزمنة، لكن الاستجابة تظل خجولة ومحتشمة، وكأن صحة عقول المواطنين تأتي في ذيل قائمة الأولويات.

مشروع طنجة.. حل جذري أم مسكن للألم؟

وسط هذا المشهد القاتم، يلوح في الأفق مشروع المستشفى الجامعي للأمراض النفسية بطنجة، بميزانية ضخمة تناهز 23 مليار سنتيم. لا شك أن هذا المشروع يمثل بارقة أمل لجهة طنجة تطوان الحسيمة ككل، وقد يخفف العبء عن الأقاليم المجاورة.

لكن، هل يكفي بناء صرح طبي في طنجة لإنهاء معاناة مريض في أعالي جبال الحسيمة؟ الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تشييد المستشفيات المركزية، بل في تقريب الخدمات. فما الفائدة من مستشفى عالمي إذا كان الوصول إليه يتطلب رحلة شاقة؟ المطلوب اليوم هو أجرأة حقيقية لسياسة القرب، عبر تعزيز التنسيق بين المركز الإقليمي بالحسيمة وهذا القطب الجديد، وضمان مسارات علاجية سلسة لا تزيد من هموم المريض.

الحلول الترقيعية لم تعد مقبولة

لقد حان الوقت لتجاوز لغة التسويف. الحسيمة لا تحتاج فقط إلى وعود بمشاريع جهوية كبرى، بل تحتاج إلى تدخل عاجل وفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه محلياً. تعزيز قسم الصحة النفسية بأطباء إضافيين، وتوفير التجهيزات اللازمة، وتسيير قوافل طبية متخصصة لفك العزلة عن المرضى في القرى، هي خطوات لا تحتمل التأجيل.

إن الصحة النفسية ليست ترفاً، بل هي حق أساسي من حقوق الإنسان. وحماية العقول لا تقل أهمية عن علاج الأجساد. فهل ستلتقط الجهات المسؤولة هذه الإشارات قبل أن تتفاقم الفاتورة الاجتماعية؟

المصدر متابعات حصرية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق