لعقود طويلة، ظل حلم سماع صافرة القطار يتردد كصدى خافت بين جبال الريف. يبدو أن ساكنة الحسيمة، التي طالما عانت من عزلة جغرافية وتهميش هيكلي في البنيات التحتية، كانت تنتظر بفارغ الصبر خبراً ينهي هذا الإقصاء التاريخي ويعيد المنطقة إلى سكة التنمية الوطنية.
صدمة المدى المتوسط وتكريس الانتظار
لكن، وكما هي العادة حين يتعلق الأمر بمطالب المستضعفين، جاء الرد الرسمي ليصب الزيت على النار بدلاً من تقديم حلول عملية. ففي جواب لوزير النقل واللوجيستيك على سؤال برلماني حول مآل مشروع الخط السككي الرابط بين الحسيمة والناظور وتطوان، اختارت الوزارة الاحتماء بعبارة مطاطية وسحرية في قاموس التبريرات: “على المدى المتوسط”. ربما نتساءل جميعاً: متى يبدأ هذا المدى المتوسط ومتى ينتهي؟ بالنسبة للمسؤولين في مكاتبهم المكيفة بالعاصمة، قد يكون مجرد مصطلح تقني لتأجيل الملفات، لكن بالنسبة للمواطن البسيط في الريف، هو مرادف صريح للمماطلة والاستخفاف بمطالبه العادلة.
سخرية مريرة من واقع أليم
بناءً على ذلك، لم يمر هذا الجواب الدبلوماسي مرور الكرام. فقد اجتاحت موجة من الغضب الممزوج بالسخرية المريرة منصات التواصل الاجتماعي. العديد من المواطنين، وانطلاقاً من واقع التجربة المتكررة مع الوعود الحكومية المؤجلة، تساءلوا بتهكم عما إذا كان هذا “المدى المتوسط” يعني أربعين سنة أخرى من الانتظار القاتل. إنه في اعتقادي رد فعل طبيعي ومشروع لمن يرى قطارات السرعة الفائقة تشق طريقها بسلاسة وتلتهم المسافات في مناطق أخرى من البلاد، بينما يظل نصيب الحسيمة مجرد تقارير ورقية ومخططات تدغدغ المشاعر دون سقف زمني ملزم أو ميزانية واضحة.
رواية رسمية تفتقد لروح المحاسبة
تتغنى الرواية الرسمية بمخطط مديري طموح للمكتب الوطني للسكك الحديدية، يشمل إنجاز 333 كيلومتراً لربط تطوان والحسيمة والناظور. بالطبع، الأرقام تبدو مبهرة على الورق: سرعة تصل إلى 160 كيلومتراً في الساعة، وخلق فرص شغل واعدة، وإنهاء لـ “الاستثناء السككي”. لكن الزاوية الأهم التي يتجنب الجميع الخوض فيها هي: أين هي الإرادة السياسية الحقيقية؟ وما جدوى المخططات إذا لم تقترن ببرمجة مالية شفافة ومحاسبة صارمة للمسؤولين عن التنفيذ؟.
في الختام، لا يمكن الاستمرار في تسويق الأوهام لساكنة تدفع ضرائبها وتنتظر حقها الدستوري في تنمية مجالية عادلة. الحقيقة الموجعة هي أن التخطيط العمومي الذي يفتقر إلى آجال دقيقة يظل مجرد حبر بارد على ورق مصقول. فهل يتدخل من يهمه الأمر لتحويل هذا الحلم من “مدى متوسط” غامض إلى ورش حقيقي يحترم كرامة المواطن ويرفع عنه غبن العزلة؟



















