في خضم الزحام اليومي والإيقاع السريع الذي يفرضه العصر، غالباً ما نمر بجوار كنوز صامتة دون أن نلقي لها بالاً. بقلب مدينة الحسيمة، وتحديداً في ساحة فلوريدو العريقة، يقف حجر صلب لا يشبه بقية الأحجار، بل هو في الحقيقة أداة عبقرية وشاهد حي على زمن كان فيه الإنسان يتنفس إيقاع الطبيعة، ويقرأ الوقت من خيوط ضوء الشمس.
عبقرية البساطة في مواجهة النسيان
ربما نتساءل جميعاً كيف كان أجدادنا يضبطون مواعيدهم قبل اختراع الساعات الذكية والهواتف المحمولة. الإجابة تكمن في هذه الساعة الشمسية المنسية. إنها ليست مجرد صخرة منحوتة، بل هي آلة دقيقة تعتمد على حركة الظل. عندما تلامس أشعة الشمس الجزء العلوي من الحجر، ترسم ظلاً ممتداً على القاعدة الدائرية، ليتحول هذا الظل إلى عقرب طبيعي يتحرك بسلاسة مع دوران الأرض.
في ساعات الصباح الأولى، يمتد الظل طويلاً ويتجه نحو الغرب، وكأنه يوقظ المدينة من سباتها. ومع اقتراب الظهيرة، ينكمش هذا الظل ليتركز في المنتصف، معلناً ذروة النهار، قبل أن يعود ليتمدد شرقاً في المساء مودعاً الشمس. هي تفاصيل دقيقة وعميقة تعكس حكمة بالغة، لكنها اليوم تقف كشاهد إثبات على تراث يُحتضر في صمت.
تهميش الذاكرة المادية
لكن الزاوية الأهم هنا، والتي لا يمكن التغاضي عنها، هي حالة التجاهل التي تحيط بهذا المعلم. ففي الوقت الذي تُصرف فيه ميزانيات ضخمة على مشاريع التهيئة الإسمنتية التي غالباً ما تفتقر للروح، تُترك هذه الشواهد التاريخية فريسة للنسيان وعوامل التعرية. المئات يمرون يومياً بساحة فلوريدو، تتعثر خطواتهم أحياناً بالقرب من الساعة الشمسية، دون أن توجد حتى لوحة تعريفية بسيطة تشرح للأجيال الصاعدة قيمة ما يقفون أمامه.
هذا التهميش ليس مجرد إهمال لحجر، بل هو طمس تدريجي لذاكرة مكانية كانت تنبض بالحياة. ألا يستحق هذا الأثر التاريخي، الذي صمد في وجه التحولات العمرانية، تدخلاً عاجلاً لحمايته وإعادة الاعتبار له؟ إن الحفاظ على هذه المعالم هو دفاع مشروع عن هوية الحسيمة، ورفض قاطع لتحويل ساحاتها إلى مساحات بلا ذاكرة ولا تاريخ.



















