الحرب على إيران.. هل يلفظ النظام العالمي أحادي القطب أنفاسه الأخيرة؟

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
الحرب على إيران.. هل يلفظ النظام العالمي أحادي القطب أنفاسه الأخيرة؟
نسرين سلامة

من المفارقات الساخرة في السياسة الدولية أن القوى العظمى نادراً ما تعلن هزيمتها، حتى حين تملأ آثار ارتباكها الشاشات والخرائط ونشرات الأخبار. والحرب على إيران قد لا تكون لحظة سقوط نهائي للأحادية القطبية، لكنها بالتأكيد لحظة تعرية كبرى لذلك الوهم القديم: وهم أن العالم ما يزال ينتظر إشارة واحدة من واشنطن ليتحرك، أو يصمت، أو يصفق.

صحيح أن الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، ما تزالان تملكان القدرة على إشعال الجبهات وفرض الإيقاع العسكري وجرّ العالم إلى حافة الهاوية في أيام قليلة، لكن الصحيح أيضاً أن القدرة على القصف لم تعد تعني القدرة على القيادة. فالعالم الذي شاهد الضربات لم يتجمع هذه المرة حول “مركز القرار”، بل انقسم، وتردد، واحتج، وندد، وقرأ المشهد بوصفه اختباراً جديداً لشرعية القوة لا لفعاليتها فقط.

هنا بالضبط تبدأ القصة الحقيقية. ففي زمن الأحادية القطبية الكلاسيكي، لم تكن واشنطن تحتاج فقط إلى السلاح، بل إلى شيء أهم: إلى صورة “المركز” الذي يوزع الشرعية كما يوزع الأوامر. أما اليوم، فإن هذا المركز يبدو قادراً على الضرب، لكنه عاجز عن إقناع العالم بأن ضربه هو القانون، وأن حربه هي الاستقرار، وأن فوضاه هي النظام الدولي نفسه.

لقد أدانت دول عديدة من الجنوب العالمي الحرب بوصفها عملاً غير مشروع ومزعزعاً للاستقرار، ورأت فيها استمراراً لمنطق الإكراه لا لمنطق القانون الدولي. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، لأن الأحادية القطبية لا تقوم على التفوق العسكري وحده، بل على قبول الآخرين، أو على الأقل على عجزهم عن الاعتراض بصوت مرتفع. وحين يرتفع الاعتراض من آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، فذلك يعني أن “الهيبة الإمبراطورية” لم تعد تملك ذلك الصمت الدولي المريح الذي كانت تشتريه سابقاً بالردع أو بالتحالفات أو بالخوف.

والأكثر دلالة أن الصين وروسيا، رغم معارضتهما الواضحة للحرب، لم تتحولا إلى قطب إنقاذ عسكري مباشر لإيران. بكين تميل إلى خطاب وقف إطلاق النار وحماية الاستقرار وتجنب انفجار أسواق الطاقة، فيما تتحرك موسكو بحذر وهي تحسب كلفة أي انخراط أوسع في ظل استنزافها في أوكرانيا. وبعبارة أقل دبلوماسية: خصوم واشنطن لم يعودوا يعترفون بقيادتها، لكنهم أيضاً لم يصبحوا بعد قادرين أو راغبين في وراثتها بالكامل.

وهنا تتجلى السخرية الكبرى. فأنصار الأحادية يقولون: انظروا، أميركا ما تزال وحدها القادرة على الفعل. وأنصار التعددية يردون: انظروا، أميركا لم تعد قادرة على فرض الإجماع. وبين الطرفين يقف عالم مرتبك، لا تحكمه قطبية واحدة متماسكة، ولا تعددية مستقرة، بل فوضى هرمية؛ قمةُ السلم فيها ما تزال أميركية عسكرياً، لكن الأرض تحتها لم تعد صلبة كما كانت.

مجلس الأمن قدّم صورة مصغرة عن هذا الارتباك العالمي. الانقسام بدا حاداً، والقرارات عكست ميزان تعارض أكثر مما عكست وجود إرادة دولية موحدة، فيما ظلّ دور الأمم المتحدة محصوراً في التحذير والدعوة إلى وقف النار بدل القدرة على صناعة تسوية ملزمة وسريعة.
وهذا يعني أن النظام الدولي لا يعيش فقط أزمة قوة، بل أزمة مرجعية أيضاً: من يملك حق تعريف العدوان؟ من يحدد متى تكون الحرب دفاعاً عن النفس، ومتى تكون تقويضاً لما تبقى من القانون الدولي؟

في هذا السياق، تبدو الحرب على إيران كأنها ليست حرباً على دولة فحسب، بل امتحاناً لفكرة “مركز القيادة” نفسها. فواشنطن تستطيع أن تبدأ، لكنها لا تستطيع أن تختم وحدها. وتل أبيب تستطيع أن تدفع المنطقة إلى الحافة، لكنها لا تستطيع أن تتحكم منفردة في كل مفاعيل الانفجار. والصين وروسيا تستطيعان الاعتراض ورفع الكلفة السياسية، لكنهما لا تملكان حتى الآن بنية ردع عالمية بديلة كاملة.

لذلك، فالسؤال الأدق ليس: هل انتهت الأحادية القطبية؟ بل: هل انتهى الوهم الذي كان يحيط بها؟ والجواب الأقرب إلى الواقع هو نعم، إلى حد بعيد. لقد انكشفت حدود القوة حين تنفصل عن الشرعية، وحدود الردع حين يفقد القدرة على إنتاج إجماع، وحدود التفوق حين يتحول إلى إدارة أزمات دائمة بدل إدارة نظام دولي مستقر.

نحن إذن أمام عالم لا مركز له بالمعنى القديم، لكنه ليس بلا مراكز تماماً. الولايات المتحدة ما تزال مركز القوة الصلبة. الصين مركز الثقل الاقتصادي والصبر الاستراتيجي. روسيا مركز التعطيل والاشتباك الجيوسياسي. أما القوى الإقليمية، من الشرق الأوسط إلى آسيا، فقد أصبحت قادرة على إرباك الكبار ومنعهم من تحويل الخرائط إلى أوامر عسكرية سهلة. وهذه ليست نهاية التاريخ، بل نهاية النسخة الأميركية المريحة من تفسيره.

باختصار ساخر: لقد دخل “شرطي العالم” إلى المشهد هذه المرة وصفارته ما تزال في فمه، لكن أحداً لم يعد يصدق أن الصفير وحده يكفي لتنظيم الشارع الدولي. العالم لم يصبح عادلاً بعد، ولم يصبح متعدد الأقطاب على نحو مكتمل، لكنه بالتأكيد لم يعد قاعة انتظار أمام مكتب واحد في واشنطن.

المصدر حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق