في مشهد عبثي يتكرر في الجارة الشرقية، يتحلق الجمهور حول حلبة دموية لمشاهدة “نطاح الكباش”، حيث يُدفع حيوانان بريئان لقتال سيزيفي لا طائل منه سوى إرضاء غرور المروضين. هذا المشهد، بكل ما يحمله من قسوة وعبثية، ليس مجرد فلكلور محلي، بل هو -في اعتقادي- الاستعارة الأدق والأكثر إيلاماً لتوصيف الواقع الراهن بين الشعبين الشقيقين، المغربي والجزائري.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل هو عملية “ترويض” ممنهجة تمارسها نخب السلطة في كلا البلدين، محولةً الشعوب من شركاء في المصير إلى وقود لحروب دونكيشوتية، تخدم أجندات القصور والثكنات، بينما يظل المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الصفرية.
جذور التوتر: من إرث الماضي إلى “الرقص على الجراح”
بصفتي مراقباً لتطورات الملف، لا يمكن عزل التوتر الحالي عن جذوره التاريخية الممتدة من حقبة الحسن الثاني والهواري بومدين. لكن الخطير في التحول الجديد، الذي رصدناه بدقة، هو انتقال العدوى من الغرف المغلقة في قصر المرادية والرباط إلى الشارع العام. لم تعد الأزمة دبلوماسية فحسب؛ بل أصبحت “اجتماعية ونفسية”.
لقد شكل ملف استئناف العلاقات بين المغرب وإسرائيل “القشة” التي استغلتها الآلات الدعائية ببراعة خبيثة. نحن أمام تحول خطير في نمط الصراع: انتقل من البيانات الرسمية الجافة إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم “فبركة” الواقع وتجييش العواطف. لقد أصبح الفضاء الرقمي ساحة حرب مفتوحة، تُزرع فيها بذور الكراهية بين شعبين يتقاسمان كل شيء -من الجينات إلى الجغرافيا- ولا يفرقهما سوى “تكتيكات” الساسة.
صناعة “العدو الوهمي”: استراتيجية الهروب إلى الأمام
عندما نُخضع الوضع للتشريح الدقيق، نجد أن كلاً من “الجنرالات” و”المخزن” يلجآن إلى نفس الكتالوج السياسي العتيق: “صناعة العدو الخارجي”. هذه الاستراتيجية ليست وليدة الصدفة، بل هي ضرورة بقاء للأنظمة التي تعاني من اختلالات بنيوية.
لماذا الآن؟ الإجابة تكمن في الأرقام التي يحاولون إخفاءها. ارتفاع معدلات البطالة، المديونية الخانقة، والاحتقان الاجتماعي الداخلي؛ كلها أزمات تحتاج إلى “شماعة”. وبدلاً من توجيه الموارد الهائلة -التي تبتلعها صفقات التسلح المشبوهة- نحو التنمية وجعل المنطقة المغاربية جنة اقتصادية، يتم هدرها في سباق تسلح محموم، يحول البلدين من قوى واعدة إلى مجرد مصدّرين للمهاجرين وقوارب الموت.
المناعة الشعبية: الراي والذاكرة في مواجهة التجييش
وعلى نقيض ما يعتقده البعض، وعلى الرغم من الضخ الإعلامي الهائل لتكريس العداء، فإن الجسد الشعبي لا يزال يمتلك مناعة خفية. من خلال رصدنا للواقع الاجتماعي، نجد أن السردية الرسمية لم تنطلِ على قطاع واسع من المغاربة والجزائريين.
هناك جيل كامل، في الشرق كما في الغرب، تشكل وجدانه على إيقاعات “الراي”. كيف يمكن إقناع شاب مغربي بأن الجزائري عدوه، وهو الذي يلجأ لأغاني الشاب حسني وخالد وبلال ليواسي أحزانه؟ هذه الذاكرة المشتركة، التي تحتفظ بمسلسلات مثل “المفتش الطاهر” و”الطاكسي المخفي”، تظل حصناً منيعاً أمام محاولات السطو السياسي على التاريخ. إنها الرابطة التي تفشل الدبابات في قطعها.
المفارقة المؤلمة: نحن والحدود.. “جوج بغال”
في ختام هذا التحليل، ومهما حاولنا تنميق العبارات، لن نجد وصفاً أبلغ من الاسم الشعبي الذي أُطلق على المعبر الحدودي: “جوج بغال”. هذا الاسم، الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد نكتة سوداء، يحمل في طياته حكمة شعبية بليغة وتشخيصاً سوسيولوجياً دقيقاً.
إنه يلخص المأساة: صراع أفقي بين ضحيتين، بدلاً من صراع عمودي مستحق ضد محتكري السلطة والثروة. لقد وفّر علينا الاسم عناء دراسات مطولة؛ فنحن، للأسف، في نظر من يديرون اللعبة، مجرد بيادق في رقعة شطرنج دموية. في بعض الأحيان، كما يعلمنا التاريخ، العلاج بالصدمة يبدأ بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، مهما كانت جارحة.













