لم يكن الحنين وحده ما دفع الآلاف من أبناء الريف المقيمين في ديار المهجر للتفكير في العودة باستثماراتهم إلى أرض الوطن؛ بل هي الرغبة في المساهمة الحقيقية في تنمية مناطقهم الأصلية التي طالما عانت من التهميش. لكن، وبين طموح هؤلاء المهاجرين والواقع الميداني، تقف فجوة عميقة تسميها ‘البيروقراطية’ ويسميها المتضررون ‘عراقيل طاردة’.
أحلام معلقة بين ضفتين
تتعدد القصص، والألم واحد. مستثمرون شباب من أبناء الحسيمة والناظور والدريوش، استطاعوا بناء نجاحات باهرة في أوروبا، وعندما قرروا نقل خبراتهم ورؤوس أموالهم إلى الريف، وجدوا أنفسهم تائهين في دهاليز الإدارات. لا يطالب هؤلاء بامتيازات استثنائية، بل ينشدون الوضوح والشفافية. فكيف يمكن لمهاجر قضى حياته في بيئة تقدر الوقت والجهد، أن يقبل بانتظار ‘توقيع’ لشهور طويلة؟
المساطر المعقدة: العدو الأول للتنمية
إن الحديث عن ‘تسهيل المساطر’ لا يجب أن يظل مجرد شعارات تُرفع في الندوات الرسمية. الواقع يقول إن المستثمر الريفي يواجه غابة من القوانين المتداخلة، وغياباً تاماً للمخاطب الوحيد الذي يملك سلطة القرار الحقيقي. هذه الوضعية تفتح الباب على مصراعيه أمام المحسوبية، وتجعل الاستثمار مغامرة غير مأمونة العواقب لغير ‘المقربين’.
أين هي الحماية القانونية؟
يتساءل الكثير من مغاربة العالم: من يحمي استثماراتنا من تغول ‘لوبيات العقار’ أو المزاجية الإدارية؟ إن غياب ضمانات حقيقية تجعل المستثمر يشعر بالأمان على رأسماله هو السبب الرئيس في هروب الكفاءات والأموال نحو وجهات بديلة. إن الدفاع عن حق هؤلاء في الاستثمار هو في جوهره دفاع عن حق ساكنة الريف في فرص شغل كريمة وفي تنمية لا ترتهن فقط للمواسم السياحية العابرة.
العدالة الاستثمارية كمدخل للكرامة
إن ملف استثمارات الجالية بالريف لا ينبغي أن يُعالج كملف تقني صرف، بل هو قضية عدالة وإنصاف. إن تسهيل المساطر ليس ‘منة’ من أحد، بل هو واجب الدولة تجاه مواطنين لم يبخلوا يوماً على وطنهم بالتحويلات المالية التي تنقذ موازنات الدولة في الأزمات. لقد حان الوقت لتتحول الأرض التي احتضنت جذورهم إلى بيئة حاضنة لمشاريعهم.
