هل تساءلتم يوماً عن السبب الحقيقي الذي يجعل أموال أبناء الريف المغتربين تتدفق نحو طنجة ومرتيل وتتجاهل مسقط الرأس؟
تخيل معي هذا المشهد المستفز: شقة بمساحة 80 متراً مربعاً في مدينة الحسيمة تُعرض بسعر فلكي يبلغ 130 مليون سنتيم. في المقابل، وبنفس المساحة والمواصفات، يمكنك اقتناء شقة في مدينة مرتيل الساحلية بمبلغ لا يتجاوز 65 مليون سنتيم. فجوة هائلة تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يُعقل أن نلوم الجالية على إحجامها عن الاستثمار في الريف وسط هذا الخلل البنيوي؟
من واقع البحث والتدقيق في هذا الملف الشائك، يتضح أن غلاء العقار ليس سوى قمة جبل الجليد. إننا أمام منظومة متكاملة تبدو وكأنها مصممة لـ ‘تطفيش’ المستثمر وليس لاحتضانه.
عقار يغرد خارج السرب الاقتصادي
لا يمكن لأي خبير اقتصادي أن يبرر الأسعار الملتهبة للعقارات في الحسيمة. المدينة التي تعيش ركوداً تجارياً خارج شهري الصيف، تفرض أسعاراً تضاهي كبريات العواصم الأوروبية. هذا التناقض الصارخ يعود أساساً إلى المضاربات العقارية وغياب رؤية واضحة للتهيئة الحضرية، مما جعل الحصول على وعاء عقاري لمشروع صناعي أو تجاري ضرباً من المستحيل. وبناءً على ذلك، يجد المستثمر نفسه مجبراً على توجيه بوصلته نحو مناطق توفر تحفيزات عقارية معقولة.
البيروقراطية.. الجدار المنيع
لكن الزاوية الأهم هي التعقيدات الإدارية. في الوقت الذي تتسابق فيه مدن الشمال الأخرى لفرش السجاد الأحمر للمستثمرين من أبناء الجالية، لا تزال الإدارة المحلية في الحسيمة غارقة في روتين قاتل. استخراج رخصة بسيطة قد يستغرق أشهراً من الانتظار، ناهيك عن غياب سياسة ‘الشباك الوحيد’ الفعالة التي تذلل العقبات أمام مستثمر لا يملك رفاهية الوقت لتبديده في أروقة الإدارات المظلمة.
اقتصاد الموسمين واحتكار الفرص
وعلى نقيض ما يعتقده البعض، المستثمر يبحث عن الاستدامة. الحسيمة تعاني من ‘موسمية’ حادة؛ حيث تنتعش الحركة لشهرين في السنة وتدخل في سبات عميق لباقي الأشهر. غياب المناطق الصناعية الحقيقية وضعف البنية التحتية اللوجستية التي تربط المدينة بالشبكة الوطنية بشكل سلس، يجعل الاستثمار هنا مغامرة غير محسوبة العواقب، وسط بيئة يعتقد البعض أنها محتكرة لصالح أسماء معينة.
في الختام، يجب أن نعترف بأن رأس المال ‘جبان’ ويبحث دائماً عن البيئة الآمنة والمحفزة. الجالية الريفية تمتلك رغبة عاطفية صادقة في تنمية منطقتها، لكن العاطفة وحدها لا تبني المصانع ولا تخلق فرص العمل. حان الوقت لمكاشفة حقيقية: إما تفكيك هذه الحواجز الخفية، أو الاستمرار في مشاهدة نزيف الأموال نحو مدن الجوار.


















