لم تعد أرقام عدادات محطات الوقود في المغرب مجرد مؤشرات اقتصادية عابرة، بل تحولت إلى شاشة تعرض يومياً حجم المعاناة الصامتة التي يتكبدها المواطن البسيط. في كل مرة ترتفع فيها تسعيرة الغازوال أو البنزين، تُسحب ورقة نقدية أخرى من جيب السائق، والفلاح، والموظف، لتغذي أزمة ثقة آخذة في الاتساع بين الشارع ومؤسسات الدولة.
مفارقة الحكم والتجارة
في قلب هذه الزوبعة، يبرز اسم رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، ليس فقط كقائد للسلطة التنفيذية، بل كواحد من أقطاب توزيع المحروقات في البلاد. هذه الازدواجية تضع المواطن أمام حيرة مشروعة: كيف يمكن لجهة مستفيدة من وضع السوق أن تتخذ قرارات حازمة لحماية القدرة الشرائية؟ إن غياب إرادة سياسية حقيقية لضبط الأسعار يكرس واقعاً مريراً، حيث يبدو أن تضارب المصالح لم يعد مجرد مصطلح أكاديمي، بل بات جحيماً يومياً يكتوي بناره المستضعفون.
المحرك الخفي للغلاء الشامل
بعيداً عن محطات الوقود، تسللت هذه الزيادات لتضرب أبسط مقومات العيش. المحروقات اليوم هي “المحرك الخفي” الذي يدفع أسعار الخضروات، والمواد الغذائية، وتذاكر النقل نحو مستويات قياسية. ورغم هذا النزيف اليومي، تكتفي الجهات المعنية بالمراقبة عن بُعد، متذرعة بتقلبات السوق الدولية، وتاركة المستهلك أعزل أمام أمواج التضخم العاتية التي تلتهم ما تبقى من دخله الهزيل.
لغز المخزون الاستراتيجي
ووسط هذا المشهد القاتم، يطفو إلى السطح تساؤل جوهري حول “المخزون الاستراتيجي” للمواد البترولية. فرغم وجود نصوص قانونية واضحة تلزم الشركات بتأمين هذا المخزون ليكون صمام أمان في وقت الأزمات، إلا أن الواقع يكشف عن اختلالات عميقة، تمر بصمت مريب دون أي نقاش عمومي شفاف أو محاسبة حقيقية لمن يحتكرون مقدرات البلاد.
“تربية” من نوع آخر
لعل الذاكرة الجمعية للمغاربة لا تزال تحتفظ بتلك العبارة الشهيرة حول “تربية المغاربة”. اليوم، تتخذ هذه العبارة بُعداً جديداً وأكثر قسوة. فالتربية الميدانية التي يتلقاها المواطن حالياً تتلخص في التكيف القسري مع الغلاء، ودفع فواتير أخطاء لا يد له فيها، في صمت تام. فإلى متى سيظل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة تُكتب أرقامها في غرف مغلقة يغيب عنها صوت الشعب؟



















