في سياق الإصلاحات الإدارية والترابية التي يشهدها المغرب، أصبحت “دراسة الأثر”(Etude d’impacte)، أداة محورية لتقييم نجاعة السياسات العمومية قبل وبعد تنفيذها. ومع ذلك، لا تزال الغالبية العظمى من هذه الدراسات تعتمد بشكل شبه كلي على مؤشرات كمية (إحصائيات، نسب تنفيذ، ميزانيات)، متجاهلةً في كثير من الأحيان التعقيدات البشرية والاجتماعية التي تحكم تفاعل المواطنين مع هذه السياسات. إن الفرضية التي نطرحها في هذا التحليل هي أن فهم “الأثر الحقيقي” لأي سياسة عمومية في المغرب لا يكتمل إلا بدمج أدوات ومنهجيات البحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي. فبدون الغوص في “الميدان” وفهم النسيج الاجتماعي، تظل التقييمات قاصرة، وقد تؤدي إلى قرارات تصحيحية غير ملائمة للواقع المعاش.
حدود المقاربة الكمية في تقييم السياسات
تعتمد الدراسات التقليدية للأثر على “ما هو قابل للقياس”. مثلاً، عند تقييم سياسة تعميم التغطية الصحية، ينصب التركيز على عدد المستفيدين المسجلين في منظومة “راميدRAMED ” أو “أموAMO “. الأرقام قد تخبرنا أن مليون شخص استفادوا، لكنها تعجز عن إجابة أسئلة جوهرية:
هل يثق هؤلاء المستفيدون في المنظومة الصحية؟
هل تمنعهم العوائق الثقافية أو البيروقراطية من الولوج الفعلي للخدمة؟
كيف تتغير ديناميات القوة داخل الأسرة نتيجة لهذه التغطية؟
هنا تكمن الفجوة بين “السياسة المصممة” و”السياسة الممارسة”. السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا تقدمان العدسة اللازمة لرصد هذه الفجوة، من خلال الانتقال من سؤال “كم؟” إلى سؤال “كيف؟” و”لماذا؟”.
الإضافة المعرفية للسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا
تقدم العلوم الاجتماعية أدوات منهجية فريدة تثري دراسة الأثر:
الإثنوغرافيا (Ethnographie): تتيح للباحث العيش في الميدان وملاحظة الممارسات اليومية غير المعلنة. قد تظهر الإحصائيات ارتفاعاً في نسبة التمدرس، بينما تكشف الملاحظة الميدانية أن الحضور لا يعني بالضرورة “التعلم”، أو أن هناك هجرة خفية للمدارس الخصوصية بسبب انعدام الثقة في المدرسة العمومية.
تحليل التمثلات الاجتماعية (Représentations sociales): تساعد في فهم كيف يدرك المواطنون السياسة. قد يُنظر إلى مشروع تنموي في قرية ما ليس كـ “مساعدة” بل كـ “منّة” تخلق تبعية، أو قد يُفسر إجراء إداري على أنه إقصاء قبلي.
كشف الديناميات غير المرئية: هناك قوى خفية تحكم المجتمع المغربي (العلاقات العائلية، النفوذ المحلي، الاقتصاد غير الرسمي). تجاهلها في دراسة الأثر يجعل التقييم سطحيا.
نماذج تمثيلية لاستيعاب الفكرة
لتوضيح ضرورة هذا الدمج، نقترح ثلاثة نماذج افتراضية مستمدة من الواقع المغربي:
النموذج الأول: سياسة الدعم الاجتماعي (الصندوق الاجتماعي الموحد)
التقييم الكمي التقليدي: يركز على عدد الأسر المسجلة، ومبالغ التحويلات المالية، ونسبة التغطية الجغرافية.
الإضافة السوسيولوجية:
وصمة العار (Stigma): قد يمتنع بعض الفقراء عن التسجيل خوفاً من نظرة المجتمع لهم كـ “محتاجين”، وهو ما لا تظهره الأرقام.
ديناميات الأسرة: من يتحكم في المال داخل الأسرة؟ هل يصل الدعم إلى المرأة المستهدفة فعلياً أم يصادره رب الأسرة؟ الأنثروبولوجيا تكشف أن تغيير المستفيد القانوني لا يغير بالضرورة موازين القوة الداخلية.
الثقة في المؤسسة: هل يصدق المواطن أن المعايير موضوعية؟ الشكوك حول “المحسوبية” قد تؤدي إلى رفض السياسة حتى لو كانت الأرقام إيجابية.
النموذج الثاني: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH) في العالم القروي
التقييم الكمي التقليدي: عدد المشاريع المنجزة (آبار، طرق، مراكز)، نسبة صرف الاعتمادات.
الإضافة الأنثروبولوجية:
الملكية المجتمعية: قد يُبنى بئر ماء، لكن من يديره؟ إذا لم تُفهم التركيبة القبلية أو العائلية المسيطرة على الموارد، قد يتم احتكار المشروع من قبل فئة نافذة، مما يعمق الفوارق بدلاً من تقليصها.
المعنى الثقافي للتنمية: قد يفضل السكان مشروعاً معيناً (مثل مسجد أو طريق) على مشروع منتج (مثل تعاونية) لأسباب رمزية واجتماعية. تجاهل هذا البعد يؤدي إلى مشاريع “بيضاء” غير مستغلة.
النموذج الثالث: سياسة محاربة الهدر المدرسي (خاصة لدى الفتيات)
التقييم الكمي التقليدي: نسب التسرب، عدد الحافلات المدرسية الموزعة، بناء الداخليات.
الإضافة السوسيولوجية:
الأدوار الجندرية: قد تكون البنية التحتية متوفرة، لكن العرف الاجتماعي يفضل زواج الفتيات المبكر أو عملهن في الفلاحة الموسمية. دراسة الأثر يجب أن تقيس التغير في العقليات وليس فقط في البنايات.
العلاقة بالمدرسة: كيف ينظر الآباء للمدرسة؟ هل هي مسار للارتقاء الاجتماعي أم مضيعة للوقت؟ المقابلات العميقة مع الآباء في الميدان تعطي تفسيراً لنسب الغياب أكثر دقة من جداول الحضور.
التحديات وسبل التغلب عليها
دمج البعد السوسيولوجي في دراسات الأثر يواجه تحديات، منها:
الوقت والتكلفة: البحث الميداني النوعي يستغرق وقتاً أطول من جمع الاستبيانات.
الذاتية: يخشى صناع القرار من “ذاتية” الباحث الاجتماعي مقارنة بـ “موضوعية” الأرقام.
اللغة التقنية: صعوبة ترجمة المفاهيم الأنثروبولوجية إلى لغة إدارية يفهمها صانع القرار.
الحلول المقترحة:
اعتماد مقاربة مختلطة (Méthodes mixtes) تجمع بين الإحصاء والملاحظة الميدانية.
إشراك السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين في لجان التقييم منذ مرحلة التصميم وليس فقط عند التقييم الختامي.
تدريب الأطر الإدارية على أساسيات “الاستماع للميدان” وفهم السياق المحلي.
خاتمة
إن دراسة الأثر (Étude d’impact) التي تروم تقييم سياسة عمومية في المغرب، إذا ما جردت من البعد السوسيولوجي والأنثروبولوجي، تشبه طبيباً يشخص المرض بناءً على حرارة الجسم فقط دون الاستماع لشكوى المريض أو فحص تاريخه. المجتمع المغربي مجتمع مركب، تتداخل فيه الحداثة مع التقاليد، والرسمي مع غير الرسمي. لفهم حقيقة الوضعية في الساحة، يجب النزول إلى الميدان، والاستماع للأصوات الهامشية، وفهم المعاني الخفية وراء الأرقام. فقط بذلك يمكن للسياسات العمومية أن تنتقل من “الإنتاج الإداري” إلى “التأثير الاجتماعي الحقيقي”، مما يضمن نجاعة الفعل العمومي وثقة المواطن في مؤسسات دولته.

