رمزية رقم 20 في تاريخ الحركات الاحتجاجية بالمغرب 

رمزية رقم 20 في تاريخ الحركات الاحتجاجية بالمغرب 
أحمد الحبشي - الصفة : طالب

إن من أعظم لحظات سعي الشعب المغربي إلى التحرر والكرامة كان يوم 20 غشت 1953م إذ انتفضت حركة المقاومة المغربية بعدما عمّ المغرب خبر تنحية محمد بن يوسف ونفيه إلى خارج المغرب، وعندما نتصفح تواريخ الحركات الاحتجاجية في المغرب بعد الاستقلال، نجد أنفسنا أمام المئات من تواريخ الإضرابات والمسيرات والمعتصمات التي خاضتها الحركة الوطنية الديموقراطية بمختلف تلاوينها وتياراتها السياسية، من أجل تحقيق مكتسبات سياسية، اجتماعية واقتصادية، وكذا بناء دولة مؤسسات يكون صوت القانون فيها مسموعا محترما، ومن بين كل تواريخ هذه الحركات الاحتجاجية يتكرّر رقم 20، في ثلاث وقائع احتجاجية بارزة ومؤثرّة في التاريخ السياسي للمغرب بعد الاستقلال، 20 يونيو 1981م، 20 فبراير 2011، 20 يوليوز 2017م.

يوم 20 يونيو 1981م أعلنت “الكدش” (الكونفيديرالية الديموقراطية للشغل) عن تنظيم إضراب عام، بعد أن قررت الحكومة رفع أسعار المواد الغذائية بمعدل 30 فالمئة، كان الإضراب ناجحا خصوصاً في مدينة الدار البيضاء، وكانت مجموعات المحتجين منتشرة في شوارع المدينة عندما صدرت أوامر لقوى الأمن والحرس الملكي والجيش باعتقال وضرب وقتل المحتجين قصد إخراص هذه الحركة الاحتجاجية، فكانت حصيلة الضحايا في هذا اليوم 114 قتيلا (86 قتلوا بالرصاص، و28 طفلا اختنقوا داخل زنزانة ضيقة) حسب تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة.

20 فبراير 2011م، التاريخ الذي عاد اسماً لحركة سياسية، تسعى إلى تحقيق مكتسبات سياسية إضافية إلى صالح الصف الديموقراطي بالمغرب، ظهرت دعوات للاحتاج يوم 20 فبراير بكل المدن المغربية عبر الأنترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي، في سياق الربيع الديموقراطي الذي أسقط فيه أربع رؤساء عرب (ابن علي-القذافي-مبارك-علي صالح)، كان النظام السياسي في المغرب مؤطراً وفق دستور 1996م، ولا معالم لإطلاق دينامية إصلاح حقيقية، خرج المحتجون في حوالي 300 مدينة وقرية مطالبين بإسقاط الفساد، بدون أي زعامة سياسية لتيار سياسي معين، بل إن الشباب كانوا هم القادة والمقودين، كانت الصرخات في هذا الاحتجاج تتجاوز مسؤولوا الواجهة إلى أبعد منهم، إلى دولة المخزن التقليدية، دعوات إصلاح النظام السياسي ليخطو المغرب خطوة جديدة في مسيرة الانتقال الديموقراطي المتعتر، وحسب تقرير للجمعية المغربية لحقوق الإنسان الصادر شتنبر 2011 فإن احتجاجات يوم 20 فبراير خلفت 10 قتلى كلهم شباب، 6 من الريف وحده، وقد حمّلت الجمعية المذكورة إلى قوات الأمن والبلتجية مسؤولية مقتل هؤلاء الشباب.

وقبل أيام عايشنا مسيرة 20 يوليوز التي اجتمع فيها أهل الريف ونشطاء من مختلف المدن المغربية، هذه المسيرة التي كانت استكمال لمسار “حراك الريف” الذي بدأ نهاية سنة 2016 بالاحتجاج على مقتل الشهيد “محسن فكري” رحمه الله، الذي قتلته غطرسة السلطة، و”سيبة الصلاحيات” فكل من انتمى إلى “الإدارة” أو جهاز الدولة المخزنية التقليدي يصبح له نفود لا محدود داخل المجتمع المغربي، يبدأ بأخذ الرشاوى والسطو على ممتلكات الدولة وينتهي بإصدار أوامر لقتل المواطنين، هذه “السيبة في الصلاحيات” التي كانت السبب الرئيسي في مقتل المواطن المغربي محسن، لم يتم اتخاذ أي خطوات سياسية أو قانونية للقطع مع هذا السلوك الخارج عن القانون، ولكن فتح تحقيق في القضية واعتبرت حالة شاذة، ثم انضافت إلى حراك الريف مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية في ظل وضعية سياسية حرجة، كان أحد أسبابها ستة أشهر من “البلوكاج” بعد انتخابات 7 أكتوبر، ثم تشكيل مدجنة هجينة، لا هوية لها ولا لون سياسي، لم تزد الحراك إلا اشتعالا، أولاً عندما وصفت المحتجين “بالانفصاليين”، ثم قام وزراء هذه الحكومة بزيارات “بروباغاندية” إلى الحسيمة لم تحقق المطالب الرئيسية التي خرج من أجلها المحتجين، ثانياً بعد أن اختارت قمع المظاهرات في الحسيمة وفي المدن التي خرجت للتضامن مع الحراك، ثم اعتقال رموز الحراك على رأسهم “ناصر الزفزافي”، و”سيليا”، وعليه أصبح إطلاق صراح المعتقلين على رأس مطالب الحراك بعد المطالب الأخرى، جاءت مسيرة 20 يوليوز كاستمرار لهذا الحراك وكخطوة احتجاجية تصعيدية لتحقيق هذه المطالب المشروعة التي تحتاج حلاً سياسياً. لكن مقاربة الدولة العتيقة تتكرر، صدر من وزارة الداخلية قرار منع المسيرة، لكن المسيرة خرجت ولقيت ما كان ينتظرها من اعتقالات، مطاردات، والعشرات من الجرحى بعضهم إصابات خطيرة.

الغاية من كل هذه الأحداث استخلاص المكرر والمعاد فيها، الجامع بينها، رقم 20 الذي نحاول قراءة رمزيته هل أضحى له دلالة أم أن تحديد تاريخ الاحتاج يكون اعتباطياً؟ وإذا كان هذا الرقم له رمزية، إذاً إلى ما يرمز؟

رقم 20 يحمل في طياته اختيارات ذوي النفود داخل دولة المخزن، وهو خيار مواجهة المطالب السياسية-الاجتماعية بوسائل عتيقة وبدائية كحال الذي يشغّل التلفاز المعطل بالضرب والركل، قد يعود إلى الاشتغال لكنه يتعطل بعد وقت قصير، معتقدين في ذلك أنه الحلّ لمشكلة التغيير (مشكلة بالنسبة للمستفيدين من الوضع القائم)، في حين اختار الصف الديموقراطي طريق الاحتجاج السلمي، شرعية الشارع، ليخط مسار فريد لعملية الانتقال الديموقراطي في المجال العربي.

لم يعد 20 عدد شفاف بعد كلّ هذه الأحداث التي وقعت في نفس اليوم من أشهر مختلفات، إنما رقم دو حمولة تاريخية-سياسية، أُلبس رقم 20 درع المقاتل من أجل تحقيق مطالب الأمة المغربية، الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية، والسبيل إلى تحقيقها محاربة الفساد، إذا كان هذا العدد يرمز إلى شيء فإنما يرمز لسيرورة التدافع بين الصف الديموقراطي ودولة المخزن التقليدية التي ترفض استكمال تحديث الدولة والتخلي عن امتيازاتها غير المشروعة، لتصبح دولة المؤسسات والتي تقوم على سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة.

20 يوليوز هي ابنة 20 فبراير، وهذه الأخيرة لها أصل في شجرة نضال الشعب المغربي، هذه الشجرة التي أثمرت الاستقلال سنة 1956م، ثم من بعد ذلك دستوراً وحكومة، هذا النضال الذي يستمر حسب السنن الكونية، إلى أن تكون الآلية (الدولة) مسخرّة للإنسان (المواطن المغربي) وليس العكس

loading...
2017-07-29
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي