يوسف كوردو – سرطان قوم عند قوم فوائد

آخر تحديث : الأربعاء 11 يناير 2017 - 2:45 صباحًا
يوسف كوردو  – سرطان قوم عند قوم فوائد
 يوسف كوردو
 أين وصل ملف الغازات السّامة في جمعيات المدافعين عن ضحايا الغازات السّامة في الريف ؟ سؤال يراودني ولا شكّ أنه يراود جل الريفيين وغيرها من الأسئلة المتعلقة بالموضوع. . فأين وصل حقاً هذا الملف؟ وهل حسم الأمر فيه وتمّ إتخاذ قرار إقباره؟ وماذا أنجز كل الفاعلين الجمعويين والحقوقيين والسياسيين من جميع أصنافهم وعلى رأسهم إلياس العماري عن جمعية ضحايا الغازات السّامة ؟ ولماذا يتم السكوت عنه بينما يذكرونه فقط في الأزمات لتمرير أجندتهم الخاصة؟
هذه الأسئلة وغيرها تطرح في هذا الملف الذي لطالما خاض فيه الكثير من أبناء المنطقة حتى بلغوا مأربهم ، وأقيمت من أجله عدة ندوات كما برزت في هذا السياق أيضا مجموعة من الكتابات المغربية سواء في صورة مقالات ودراسات، أنجزها مؤرخون وباحثون من جامعات مغربية مختلفة، أو في شكل لقاءات وندوات (من قبيل الندوة الدولية الأولى بالناظور بتاريخ 14 فبراير 2004 حول “استعمال الأسلحة الكيماوية، – حالة حرب الريف-” والملتقى الدولي الثاني حول موضوع: “حرب الغازات السامة ضد الريف” بالناظور يوم السبت 21 يونيو 2008 المنظمين من قبل جريدة العالم الأمازيغي وفعاليات جمعوية أخرى) و مما لا شك فيه أن هذه الكتابات والملتقيات رغم محدوديتها فهي تنطوي على أهمية كبرى بالنظر إلى كونها سلّطت الضوء على قضية ظلت منسية.
لكن السؤال يعود ويطرح نفسه مرّة أخرى ”أين وصل حقاُ ملف الغازات السامّة في الريف؟” الجواب يكمن في كلمة سر تستطيع إخراس الجميع ، فرغم ما تشكله القضية من خطر صحي على أبناء الريف ، لم نرى أي بادرة أو خطوة رسمية من طرف الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال إلى يومنا هذا، وذلك من أجل الحد من خطورته و عواقبه، كإنشاء مركز ”للأنكولوجية ” إلا ما نسمعه في الإعلام الرسمي وغير الرسمي من شعارات وتعهدات ولا نرى لها أثر في الواقع، ما عدى ذلك المركز الذي هو عبارة عن جدران تحمل يافطة باسم ” مكرز الأنكولوجية بالحسيمة ” مع غياب تام لأبسط المعدات.
وعلى مرور ما يقارب قرن من الزمن لا تزال ساكنة الريف تعاني من نتائج قصف المستعمر الإسباني للمنطقة بغازات تعد هي المرّة الثالثة في العالم التي يتم فيها إستعمال هكذا أسلحة ضد البشرية كما أشار إلى ذلك ”د سباستيان بالفور”في كتابه <العناق القاتل> وذلك بعد الحرب العالمية الأولى(1914 – 1918) وبعد قيام بريطانيا باستعمالها ضد العراق عام 1919؛ كما أشار إلى أن الطائرات الإسبانية كانت تستهدف بقصفها التجمعات السكانية في الأحياء والأسواق خلال الأعياد والمناسبات لإلحاق أكبر ضرر بالناس ما أنتج عن هذا إصابة أبناء الريف بمرض كان ومازال يودي بحياتهم ولم يكونوا أنذاك يعلمون أنه ”السرطان بكل أنواع”وظلّوا يطلقوا عليه إسم ” أخنزير”.
وفي تصريح أدلى به السيد ”د.نجيب الوزاني” حيث قال أن أكثر من 90 في المائة من المصابين بسرطان الحنجرة والأنف في المغرب ينحدرون من منطقة الريف”. وهو كان أول من فتح الملف في المغرب من خلال سؤال شفوي داخل البرلمان، قبل ” إلياس العماري” المعروف في هذا الملف . و يؤكد العديد من المؤرخين والباحثين الإسبان أمثال: “خوان باندو” و”ماريا روزا دي مادارياغا” و”كارلوس لازارو” و”أنخيل فيناس”؛ “جون مارك دي لوناي”، “روفير مورنو”..،في دراساتهم وبحثهم التي اعتمدت في مقارباتها على الأرشيف التاريخي الإسباني؛ وحاولت في مجملها طرح الموضوع بشكل إنساني والتأكيد على أنه بالفعل قد تم إستعمال الغازات السامّة في الريف من طرف إسبانية وبمساعدة فرنسا وألمانية وبريطانيا ، و في سنة 1990 ظهر كتاب: ” ألمانيا، إسبانيا وحرب الغازات السامة في المغرب الإسباني 1922 – 1927” للصحفيين الألمانيين “رودبيرت كونز و ولف دييترمولر”، الذي ترجم إلى اللغة العربية سنة 1996؛ حيث كشف المؤلفان من خلاله مجموعة من المعطيات والمعلومات الجديدة حول حقيقة استعمال هذه الغازات في منطقة الريف ، بناء على تحريات موضوعية ودقيقة. وفي هذا السياق أيضا ظهرت بالمغرب منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم مجموعة من فعاليات المجتمع المدني التي اهتمت بهذه القضية، نذكر منها (جمعية ضحايا الغازات السامّة بالريف) (جمعية ذاكر الريف).
لكن ما جدوى هذه الجمعيات ورؤسائها وأعضائها وأشباه المناظلين فيها كما ذكرت سابقاً ، ماذا أنجزت؟ فهي لم تستطع حتى على جعل هذا الملف قضية وطنية أو على إرغام إسبانيا على تقديم الإعتذار ولو أخلاقياً ، ولا نتحدث عن تقديم تعويضات لإبناء الريف المتضررين بشكل مباشر أو غير مباشر، فقافلة الضحايا طويلة وستطول ونحن نعيش ذكرى الشهيدة ” فاطمة أزهريو” لينزل علينا اليوم خبر وفاة الطفل ” محمد بنعمر” عن عمر لا يتجاوز الرابعة عشرة ربيعاً وكثير من الضحايا يغادرون في صمت.
إسبانيا أيضاً نجد في سلوكها وتعاملها مع هذا الملف شكل من التغاضي والتجاهل وعدم الإهتمام لمجموعة من النداءات من طرف كثير من الفعاليات الأكاديمية والحقوقية سواء من المغرب أو إسبانيا أو دولية ، وكذلك في الإعلامين الرسميين المغربي والإسباني نجد تجاهل كبير ما يبرز حجم التواطئ في شأن هذا الملف ، وفي الأحزاب الإسبانية المتسارعة في ما بينها في مختلف القضايا الداخلية والخارجية ، لم تذكر يوماً هذه الجريمة النكراء في حق شعب الريف ، وهذا يبين على أنه هناك إتفاق على الصمت والتعتيم، والعيب ليس في السلطات الإسبانيا أو في أحزابها و إعلامها ، إنما العيب في من جعل الملف تجارة مربحة يقايض بها من أجل التحصيل المنصبي والمالي. كتبت هذه الأسطر وأنا على يقين أن لا أحد يبالي ، فالكل منهمك في زاويته والزواية تختلف درجاتها ، هناك من ضاقت عليه زاويته وانكمش فيها ولا يفكر إلا في توسيعها ، ومن إتسعت عليه لا يعير اهتماماً للأخر وفرح بما هو فيه ، فكيف الإهتمام بهذا ؟.
loading...
2017-01-11 2017-01-11
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

التعليقات4 تعليقات

حسيمة سيتي