ماذا تحقق بعد ستون سنة من الإستقلال !؟

آخر تحديث : الأحد 20 نوفمبر 2016 - 6:53 صباحًا

مناسبة هذا الحديث هو الذكرى الستون ل”إستقلال المغرب” فمن أجل فهم أوسع للحاضر و من أجل استشراق المستقبل لا مندوحة  من تفكيك احداث تاريخ الأمس و إعادة إستقرائها، ومن محطات هذا الأمس يوم 18 نونبر 1956 الذي شكل لحظة حاسمة  من تاريخ هذا الوطن، والتي مازالت تداعياته حاضرة إلى الآن بشكل أو بآخر.

إنها لحظة ”الاستقلال”  التي عارضها البعض ودافع عنها البعض الآخر بقوة. يتبادر الى الأذهان سؤال مشروع إن كان المغرب حقا قد خرج من تبعات الإستعمار؟ و هل فعلا وضعنا قطارنا فوق سكته للإنطلاق الى محطة الخلاص و النجاة الى تحقيق المغرب الذي كان ينشده كل من ساهم من قريب او من بعيد في الحصول على هذا الإستقلال؟ و إن كان منقوصا كما قال عنه الكثيرون، سؤال آخر في ذات السياق نفرض جدلا أن “محمد بن عبد الكريم الخطابي ”  و ”موحا أوحمو الزياني”  و “عسو أوبسلام’  بعثوا في هذا الزمان لعيشوا بيننا  من جديد فكيف ستكون ردة فعلهم هل سيصيبهم الإحباط و سينقمون لدرجة أن يتمنوا ليتهم لم يحملوا السلاح في وجه المستعمر و لم يضحوا بحاضرهم لأن المستقبل مظلم ولانه جاء من بعدهم خلف اضاعوا الأمانة التي عاشوا و ماتوا من أجلها ام أنهم سيعودون لأجداثهم ليرقدوا بسلام لأن مغربهم الذي كانوا ينشدونه قد تحقق و أن نضالاتهم و دمائهم الزكية لم تذهب سُدىً. بانوراما الاحداث نبدؤها بالضبط مع معاهدة إكس ليبان و التي بموجبها حصل المغرب على استقلاله المشروط ، هذه المعاهدة التي لاقت معارضة من طرف المقاومين الشرفاء وأعضاء جيش التحرير، الذين  راهنوا على العمل المسلح حتى استرجاع اخر شبر في المغرب و جلاء المستعمر من أرض شمال إفريقيا،  بالمقابل من ذلك جلس ثلة من المحسوبين على فرنسا من تجار  الطبقة البورجوازية الذين تعودوا على التقلب في المناصب المخزنية أبا عن جد إلى طاولة المفاوضات ليتوافقوا على استقلال مشوه لصالح فرنسا و على مقاسها لأنها كانت الخصم و الحكم في ذات الوقت، محمد بن عبد الكريم الخطابي  هو الآخر عارض و بشكل شرس الشكل الذي حصل به المغرب على استقلاله ووصفه بالمزيف بل الأكثر من هذا أطلق عليه مصطلحه الشهير الاحتقلال (خليط بين الاحتلال و الاستقلال) ،الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي كان يهدف الى نيل استقلال شامل غير منقوص و لا مشروط و بناء مغرب حداثي يتسع للجميع يتميز بتوزيع عادل للثروة و السلطة أي أن هدفه كان التغيير و ليس مجرد الإصلاح في حين أن مفاوضات “إكس ليبان” اقتصرت على مجرد إصلاحات من نوع معين يسمح  لسلطات الاستعمار بالبقاء في المغرب عبر زرع حلفائه ومواليه في مراكز صنع القرار. وبذلك، في نظر الكثيرين، كانت بداية ترسيخ “استعمار جديد”. كان الإستقلال على صيغة إيكس ليبان بداية لمسيرة إحباط تلو إحباط، أول حكومة في ظل الاستقلال هي حكومة عبد الله إبراهيم ذلك الجنين الذي أجهض في بدايات تكونه فهاته الحكومة لم يكتب لها ان تعيش إلا 20 شهرا  لتفتح أوراشا و ملفات لم تقوى أي حكومة لا من بعد و لا من قبل ان تأتي بمثلها، تم إقبار مجهودات هذه الحكومة الفتية بسبب ظروف النشأة و العراقيل المفتعلة التي واجهتها، و أخيرا بفعل نشاط الطابور الخامس، و بذالك تبخرت أحلام الشعب المغربي الوردية بعد عقود من النضال و الكفاح المسلح لم يذق فيه المغاربة إلا الدم و الدموع. جاءت من بعد ذلك سنوات الجمر و الرصاص تميزت المرحلة بكثرة الإنقلابات على الحسن الثاني الذي أعلن حالة طوارئ في البلاد دامت لمدة عقود دخلت فيها البلاد مرحلة من العسكرة و ظل الهاجس الأمني هو سيد الموقف فيما أهمل الجانب الاقتصادي و الإجتماعي مما تولد لدى المغاربة عقدا ما زالت تلازمه و تحدد اختياراته إلى الآن فلم يعد المواطن المغربي يفتح فمه إلا عند طبيب الاسنان . في أواسط التسعينيات دخل المغرب مرحلة جديدة و هي مرحلة السكتة القلبية كما أعلنها مدوية الحسن الثاني ، كان لا بد ان يبحث عن جراح ماهر لينقذ هذ الجسد العليل الذي نخره الفساد وأصبحت أيامه معدودة ، فتمت الاستعانة بعبد الرحمان اليوسفي ليضيف لدولة المخزن عمرا جديدا بعد أن كانت مهددة بالسكتة القلبية، فتح عدة أوراش لكنه لم يكن يملك من الأدوات الدستورية و اللوجستية مايمكنه من إنجاح مشروعه المجتمعي فتم الإلتفاف عليه من جديد و تم إجهاض تجربة التناوب  لتعود حليمة (دار بريشة) إلى عادتها القديمة مما نفر المغاربة من العمل السياسي فكان ردهم قويا بالعزوف عن العمل السياسي بنسبة مشاركة في الإنتحابات البرلمانية لم تتعدى 30% كرد فعل منهم لتمييع المشهد السياسي و بلقنته بالأحزاب.

ظلت هذه الاغلبية الصامتة على سباتها إلى غاية تاريخ 20 فبراير2011  لتخرج عن بكرة أبيها لتنندد بالحيف و الظلم وتطالب بإسقاط الفساد كانت هاته الجماهير تفاوض من موقع قوة فتزايدت أعدادها في الشارع يوما بعد يوم مما  دفع المخزن للإنحناء لعاصفة الربيع و توج هذا الإنحناء بدستور، على الرغم من كثير علاته، إنتزع كثيرا من صلاحيات الملك ووضعها في يد رئيس حكومة منتخب في احترام لمبدا ربط المسؤولية بالمحاسبة لكن صدمة المغاربة كانت قوية عندما اكتشفوا أن رئيس حكومتهم هو الرجل الخطأ في الزمن الصحيح فالمرحلة كانت تحتاج إلى رجل كاريزما يتجاوز عبد الإله بنكيران الذي تنازل عن صلاحياته طوعا دون أن يطلب منه ذلك أحد و من دون أن يستشير كل أولئك الذين منحوه أصواتهم و ثقتهم لتنزيل صحيح للدستور و آملين أن يدخل المغرب إلى مرحلة الإنتقال الديموقراطي، فسجلت في عهده تراجعات كثيرة على مستوى المكتسبات الحقوقية و الدستورية، و تم استقواء الطابور الخامس أكثر من أي وقت مضى و تحول معها وزراء الحكومة إلى مجرد بابغوات تبرر قرارات التيكنوقراط الماسكين بزمام الأمور و الساهرين على حماية مصالح  الشركات الفرنسية التي تسيطر على إقتصاد المغرب و تستنزف خيراته و تهرب أمواله خارج الحدود في تواطئ مع العائلات  المتنفذة بالمغرب، و التي جلست بالأمس على طاولة المفاوضات في اكس ليبان…

اما فما يخص الريف فبعد تولي الملك الجديد الحكم دخل الطرفان المخزن والريف في اطار هدنة مؤقتة تعامل معها سكان المنطقة بحذر شديد في انتظار ان تثبت الدولة انها  جادة فعلا في مصالحتها مع المنطقة وانها قد طوت صفحات المواجهة بين المركز والريف الي لا رجعة، لكن بعد مقتل محسن فكري بتلك الطريقة البشعة تبين ان الهدنة المتفق عليها بين الطرفين هي هدنة هشة او ان جاز التعبير هي هدنة من طرف واحد على اعتبار ان المخزن لم يتراجع عن سياسته القمعية وعنفه التاريخي بمستوياته الثلاث الرمزي، اللفظي والمادي وهو ما تلخصه حادثة ”طحن مو” التي ارجعت عقارب الساعة الى النقطة الصفر. بعد هذا الحادث الجلل يبدو ان الريف سيدخل مرحلة جديدة في اطار علاقته مع المركز مرحلة ستكون اكثر توازنا بعد ان طرد المحتجون عامل الخوف وربحوا نقاط مهمة في ملعب المخزن  من خلال المظاهرات التي تلت مقتل محسن فكري والتي مازالت مستمرة بوثيرة دورية.

كم اليوم أشبه بالأمس و كم كان رجال المقاومة على صواب لما رفضوا استقلال المغرب المشوه الذي أنجب مستقبلا مشوها أتمنى أن لا يعود هؤلاء الأجداد حتى لا نضطر الى تبرير الأمر الواقع لأن أول من يتحمل مسؤولية الوضع الراهن هم نحن الأحفاد، إنها أمانة لم نرعها. سؤال وجيه يتبادر الى الاذهان، لماذا بعد مرور ستون سنة بعد ”الاستقلال” مازال المسؤولون في هذا البلد يدرسون و يتعالجون في فرنسا البلد المستعمر! الجواب بكل بساطة لانهم لا يثقون في مؤسسات هذا الوطن الذي يشبه مختبرا كبيرا يحمل فيه المواطنون صفة فئران تجارب… … أرجوك يا محمد بن عبد الكريم الخطابي اجِّلْ زيارتك لنا فلا مُقام لك بيننا.

loading...
2016-11-20
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

حسيمة سيتي