باحثون مغاربيون يضعون “علاقة الثقافة بالعنف” في الميزان

هل يمكن للثقافة أن تقاوم العنف؟ أو ليس العنف أضحى ثقافة في عصرنا الحالي؟ وهل الاجتماع البشري والبنيان الحضاري نشأ عبر التاريخ عن طريق الثقافة وحدها وحسب؟ أم أن العنف ساهم في تلاقح الأفكار بين والشعوب رغم الحروب الدامية والهيمنة العسكرية؟ أوليس العنف يتوسل بالعقل للهيمنة والسيطرة؟

هذه مجموعة من الأسئلة التي ناقشتها ندوة “الثقافة في مواجهة العنف” بمدينة طنجة، مساء أمس، في إطار فعاليات الدورة 11 من مهرجان “تويزا”، بمشاركة باحثين مغاربة، بالإضافة إلى باحثة من منطقة القبائل بالجزائر، وباحث من تونس.

عنف الثقافة وثقافة العنف

أحمد عصيد، الباحث في الثقافة الأمازيغية، تحدث في مداخلته عن واقع الحياة الاجتماعية بدول المنطقة المغاربية والشرق الأوسط، والذي يشهد موجة من العنف الداخلي بين فصائل وجماعات وهويات وطوائف وعشائر، ليعرج على مفهوم الثقافة بشكل أعم، ولاسيما بالمفهوم الأنثربولوجي للثقافة”.

واعتبر عصيد الثقافة بأنها “ما يكتسب من الطبيعة ليضاف إليه ما يتعلمه الإنسان من الوسط الاجتماعي، مثل العنصر اللغوي، والأنساق التعبيرية والرمزية والأدوات التي صنعها الإنسان لخلق مجال أوسع للإبداع، علاوة على القيم الروحية والإبداعية من أدب وسينما وأخلاق وأديان وطقوس..

وفي محاولة منه للفصل بين العنف والثقافة، أبرز أستاذ الفلسفة أن مفهوم العنف هو ذاك السلوك الذي يتوخى إلحاق الأذى بالغير عن طريق الكلام وجميع أشكال التعبير، وهذا ما يطلق عليه العنف الرمزي، بينما العنف المادي، حسب تعبيره، فيتجلي في الاعتداء المادي المجسد.

العنف، يضيف المتحدث، مرتبط بالغريزة وبالوجود الإنساني، غير أن “العنف كظاهرة ملازمة للإنسان تتداخل مع الثقافة، فالحضارة تربط بشكل من الأشكال بالعنف مثل الغزو والهيمنة العسكرية، وينتهي إلى التلاقح الحضاري، والذي تتداخل وتتشاكل فيه مجهودات بلدان شتى، وهنا يتداخل العنف بالثقافة” يورد عصيد.

وفي سبيل تخليص الثقافة من العنف، حاول الناشط الحقوقي مرة أخرى أن يخلص الثقافة من العنف، وذلك عبر تعريف خاص للثقافة ينسجم مع اهتماماته الحقوقية، مبتعدا عن المفهوم الأنثربولوجي ولو منهجيا، فالثقافة حسب رأيه “ترتبط بالعقل، وهو ملكة التفكير التي ينتج بها الإنسان كل أشكال الإبداع التي تبقى مشروطة بوجود الحرية والكرامة”.

إن الإنسان، حسب المحاضر “حين يصبح وسيلة لتحقيق الحضارة في عملية إبعاد لحريته، هنا، تسقط كرامته، ويصبح خادما لغريزة غيره، لأن العنف يرتبط بالغريزة، والغريزة ترتبط بالوصاية، والوصاية تفرز نمطا واحدا لا يقبل الاختلاف بل تسعى إلى تنميط الإنسان، والثقافة ترفض النمطية والوصاية للغريزة”.

وأشار الباحث إلى أن الخصوصية الثقافية التي لا تنفتح على الثقافات الأخرى تندثر، داعيا إلى انفتاح الثقافات المحلية على بعضها البعض، وعلى الثقافات الكونية، مستشهدا برائد الأنثربولوجيا البنيوية، كلود لفي ستراوس، الذي أكد أن الثقافات التي استمرت هي التي انفتحت على الثقافات الأخرى المعاصرة لها، بينما الثقافات التي انمحت هي التي انغلقت على نفسها.

صورة الآخر بالجزائر

الباحثة الجزائرية، سوريانا ياسين، تطرقت في مداخلتها إلى البرامج التعليمية في الجزائر ما بين حقبة التسعينات وإلى مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، حيث اقتصرت في مداخلتها على المناهج التعليمية التي تعنى باللغة الأجنبية في الجزائر، انطلاقا من فرضية علاقة ثقافة الذات بثقافة الغير، وأين تلتقي الثقافة الوطنية المحلية وثقافة الآخر.

ولاحظت المتحدثة ذاتها من خلال الكتب المعتمدة في حقبة التسعينات من القرن الماضي، أن النصوص المقتبسة من لغات الغير لا تأبه بالثقافة الوطنية، كما أن هناك كتبا مقررة لا تتحدث أبدا عن ثقافة الغير، وكأنها تهدد الثقافة القومية للبلاد.

ومع بداية 2000 ابتعدت الكتب المقررة باللغات الأجنبية عن مقاربة الثقافة الوطنية في علاقتها بثقافة الغير، حيث تم عزل اللغة عن الثقافة، وأصبحت معظم النصوص المقررة تتحدث عن منجزات العصر، وخاصة التكنولوجيا منها، كأن اللغة أضحت وسيلة وحيدة للحصول على التكنولوجيا وتحصيلها، في حين غابت النصوص المهتمة بالعلوم الاجتماعية” تضيف الباحثة.

ومع سنة 2007 تم إدخال النصوص الأدبية، وهي نصوص متعلقة بالعلوم الإنسانية، وأصبح الحديث عن الجزائر باعتبارها ملتقى للثقافات ما بين المشرق والمغرب، وكذلك ثقافة الغرب التي تأثرت وأثرت في الثقافة الوطنية، ومن ثمة الشخصية الجزائرية” وفق ياسين.

الباحثة الجزائرية، والمنحدرة من منطقة القبائل بالجزائر، نوهت إلى أهمية الصورة المرفقة بالنصوص ضمن المقررات الدراسية باللغات الأجنبية بالجزائر، فسجلت، من خلال بحثها الأكاديمي حول الموضوع، أن الصور في فترة التسعينات كانت تمجد أبطال البلدان الأجنبية، بينما في الفترة الراهنة الصور أضحت تمجد شخوصا وطنية ومغربية وعربية. في الحاجة إلى التفاوض الثقافي

شكري المبخوت، الباحث والروائي التونسي، اعتبر أن “مبدأ السلم واللاعنف، وكل هذي القيم التي نرنو إليها، هي قيم جديدة مهما حولنا التأصيل إليها تاريخيا”، متابعا بأن “البشرية اليوم، وليس منطقة بعينها تحتاج إلى تربية على قيم التسامح والسلم، ولا يمكن لأحد أن يقدم نفسه أنه بطل في ثقافة حقوق الإنسان”.

وأكد صاحب رواية “الطالياني” أن “الإنسانية حققت شيئا مهما يتجلى في ثقافة حقوق الإنسان، من خلال وضع آليات وإجراءات لتنفيذ هذه القيم، وكل هذا يساهم في تنمية وإعادة تربية الإنسان وتنشئته على أساس هذه القيم” حسب رأي المتحدث.

وبخلاف ما ذهب إليه عصيد، والذي اعتبر أن إصلاح التعليم في تونس على عهد وزير التعليم الراحل، محمد الشرفي، والذي يلقب بـ “مصلح برامج التعليم”في تونس، أعطى جيلا متعلما من التونسيين، لاحظ المبخوت أن “تونس تعتبر اليوم أول بلد مصدر للشباب إلى سوريا والعراق، والذين هم نتيجة برامج التعليم على عهد الوزير الشرفي”.

وبعد أن أكد المحاضر أن “المدرسة وحدها ليست كافية لمقاومة ثقافة العنف”، أشار المبخوت إلى أن بلداننا اليوم أصبحت في أمس الحاجة إلى ما سماه بـ “التفاوض الثقافي” الذي يفرض على شعوب المنطقة ومثقفيها التمسك بقيمة التواضع الثقافي والحضاري، وهو “ما يفرض علينا أن نكون قادرين على التفاوض مع جميع الأفكار والقيم ولو كانت ما نتوهمه أنه خالد وثابت”.

“إكسير الحياة” و”تكسير الحياة”

من جهتها، رصدت مريم الدمناتي، الباحثة في ديداكتيك الأمازيغية، مظاهر العنف المنتشرة في المجتمع، وقدمت في مداخلتها، باللغة الفرنسية، أمثلة تابعتها وسائل الإعلام بالمغرب من قبيل ما وقع مع فتاتي إنزكان ومثلي فاس، وقمع صحفية من قبل وزير سابق بسبب لباسها.

ثقافة العنف بالمغرب الراهن، حسب الدمناتي، أصبحت منتشرة بشكل جلي وظاهر عبر الخطاب السياسي بالبرلمان، وكذا عبر التلاسن بين السياسيين الحزبيين والفاعلين النقابيين، داعية إلى صيانة ثقافة التسامح وحماية الاختلاف والتنوع، عبر إجراءات مؤسساتية.

وأشارت المتحدثة إلى أن ثقافة العنف تبدأ من الخوف، وقالت في هذا السياق “الخوف من بعضنا البعض، والخوف من الثقافات الأخرى، والمعتقدات والأديان الأخرى، ينبغي مقاومة ثقافة العنف عبر حماية وصون ثقافة الاختلاف”.

الباحث المغربي مصطفى شكدالي تساءل عما إن كان من الممكن فصل العنف عن الثقافة، حيث اعترض على الفصل المنهجي الذي اعتمده عصيد في الفصل بين العنف والثقافة، واعتبر أن ما هو غريزي يتمثل بألوان من الثقافات، فالفصل بين الثقافة والعنف هو فصل اعتباطي، بتعبير شكدالي.

وذهب الباحث في علم النفس الاجتماعي إلى أن الثقافة التي يحملها كل واحد منا تشكل عنفا على النفس قبل أن يتحول هذا العنف ضد الآخر، معتبرا أنه حين يحصل خلل في الإدراك “فإننا نمارس عنفا على أنفسنا” وفق تعبيره.

loading...
2015-07-26 2015-07-26

عذراً التعليقات مغلقة

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

عذراً التعليقات مغلقة

حسيمة سيتي