محمد أمزيان – رحيل باكارو عن الريف

محمد أمزيان – رحيل باكارو عن الريف

سببان رئيسيان جعلا عمار الدوار يتوقف فجأة عن مضغ “الخبز الرومي” ويتراجع إلى الخلف بدل أن يخطو إلى الأمام، نحو مقهى موح أقشار حيث كان ينتظره رفيقه وصديقه سارخينتو: المذاق والسعر. لو تعلق الأمر بالسعر فقط لواصل السير ولقال: الاستقلال له ثمن. لكن أن يطال التغيير حتى المذاق، فهذا ما لا يمكن فهمه ولا التساهل معه. دار نصف دائرة في الزحمة عائدا نحو المكان الذي غادره قبل دقائق. هذا المكان من السوق، الواقع جنوب البوابة الشمالية، تعود عمار أن يشتري منه خبزه المفضل “بويّو باكارو”، كمن تعود على أداء طقس ديني. قبل أن يكمل نصف الدورة في الزحمة عائدا إلى الخلف، كان قد حدد في ذهنه نوع الدرس الذي سيلقنه ل “صديقه” الخباز الإسباني. سيوبخه بشدة أولا على “الغش” وعلى خيانته أمانة الصداقة ويحسسه بمقدار الضرر الذي لحقه شخصيا بهذا التصرف، ثم يطالبه ثانيا باسترداد فرنكاته العزيزة على قلبه. غير أنه فوجئ أن الخباز ليس هو الخباز. كيف فاته الأمر؟ قبل لحظات فقط كان يقاسم هذا البائع الغريب بعض الأحاديث الروتينية، ظنا منه أنه يناجي صديقه الإسباني باكارو. هذا شخص آخر مختلف تماما، لا يشبه باكارو في شيء ولا بشبه حتى مانولو، منافس باكارو. كيف حصل ذلك؟ كيف لم يتفحص ملامحه قبل أن “يدخل ويخرج” معه في الكلام؟ قرر أن يستفسر من البائع الجديد فتريث، مستدركا أنه ربما يكون أمام أحد العناصر المندسة في السوق. “قلة عقل” عمار الدوار في نظر الناس، لا تمنعه من أن يكون يقظا، شكاكا، لا يثق حتى في ظله. كسب خصلة اليقظة حينما كان يشتغل ضابط اتصال بين قيادات جيش التحرير وقواعده في مثلث الموت. – “لعلك تبحث عن باكارو، أليس كذلك”؟ بادره البائع الغريب بالسؤال. – “نعم. هل حصل له مكروه؟” كان عمار الدوار متلهفا لسماع الأخبار عن صديقه، لكنه تظاهر بعدم الاكتراث حتى لا يثير الشكوك. – “باع المخبزة وغادر الحسيمة قبل أيام نحو ألميريا”. أحس عمار الدوار بدوار حقيقي. “كيف يتركني باكارو ويتخلى عني بهذه السهولة؟ لماذا لم ينتظر حتى أودعه على الأقل؟ يا ليتني حبسته في أحضاني” اسودت الدنيا أمامه وأحس عمار فجأة بفراغ كالمحيطات. كأن السوق أقفرت. تلك الوجوه الأليفة راحت تختفي واحدة تلو الأخرى. باكارو، خوان، خوسي، بينتو الباسكي، فورتوناتو وغيرهم. كلهم رحلوا. أشهر قليلة كانت كافية ليتغير وجه الأرض: السوق، الحاكم، العلم. تغيرت اللغة. حتى مذاق الخبز تغير. ماذا أصاب العالم؟ وهو في قعر الفراغ تتقاذفه أمواج الوحدة والحيرة والإحساس بخيانة باكارو لصداقته، سمع صوت سارخينتو يهمس في أذنه اليمنى: – نحن طردناهم. كنّا نعتقد أننا نحارب الاستعمار، والآن نتأسف على رحيلهم. – حاربنا الاستعمار ولم نحارب هؤلاء الطيبين. – باكارو كان استعماريا. – باكارو كان إنسانا. لم يكن مجرد بائع خبز. – ماذا بقي لنا من بطولاتنا؟ أنا أصبحت “سارخينتو”، حتى اسمي ضاع. وأنت؟ – أنا فقدت عقلي. ألا ترى كيف يتسلى الأطفال بمظهري؟ – احمد الله أنك فقدت عقلك واسترحت، أما أنا فقد فقدت إنسانيتي. توجها معا نحو المقهى. سارخينتو حاملا معه لقبه “العسكري” الذي ورثه من عملياته ضد الفرنسيين في أكنول، ولكنه ضيّع اسمه الحقيقي، وعمار الدوار الذي ذهب عقله مع انتهاء عمليات جيش التحرير. “خرج عقلي عندما دخل الاستقلال”، هكذا كان يعلق ضاحكا….

loading...
2015-06-30

عذراً التعليقات مغلقة

زاوية التعليقات هي جزء مكمّل للموضوع الذي قرأته للتو. حاول أن تحصر تعليقك في صلب الموضوع حتى نستثمر هذا التعليق لكسب المزيد من الفائدة سواءً عن طريق مناقشة الموضوع أو عن طريق إضافة معلومات مكمّلة أو إبداء ملاحظات أخرى في نفس السياق.

عذراً التعليقات مغلقة

حسيمة سيتي